حيدر حب الله

245

شمول الشريعة

للمربّي والمعلّم ، فكأنّ البشريّة لها مرحلة طفولة ومرحلة رشد عقلي ، وسبب الخاتميّة في النبوّة التشريعيّة هو أهليّة البشر لتقبّل الشريعة الخاتمة ، وقدرتهم على حفظ الشريعة ووعيهم لذلك ، أمّا سبب الخاتمية في النبوّة التبليغية فهو وجود البديل ، وهو العلماء الذين تحمّلوا المسؤوليّة ، فكانوا ورثة الأنبياء . بل يذهب فريق معاصر للحديث عن ضرورة الخاتميّة وأنّ النبوّة يجب أن تتوقّف بمعنى من المعاني تبعاً لطبيعة تطوّر البشر « 1 » . ما يمكن بيانه في مفارقة الخاتميّة والشموليّة لا يقف هنا ، بل إنّه ما دامت الشريعة ممتدّة بحسب الزمان والمكان إلى يوم القيامة ، وأنّه لن يوجد شريعة بعدها ، فإنّه لا يمكن تصوّر خلود الشريعة مع تدخّلها في كلّ الظروف والمتغيّرات ؛ لاستحالة التكيّف بين الثابت والمتغيّر ، الأمر الذي يفرض - لكي تبقى هذه الشريعة - أن تضع معايير ، ثم تترك المتغيّر للعقل الإنساني ( المؤمن ) ، كي يقوم بملئ منطقة الفراغ الواقعي هنا . بل إذا كانت الشريعة الإسلاميّة في فترة تبلورها في العصر النبوي خلال مدّة لا تتجاز الثلاثة والعشرين عاماً قد خضعت لتغيير ونسخ ، فكيف يُعقل أن تبقى ثابتة لمئات السنين الأخرى ؟ ! أليس هذا مخالفاً لمنطقيّة الأشياء في الصيرورة والسيرورة ؟ ! الفرق بين هذه المقاربة ومقاربة الاستدلال بالخاتمية ( المستبطنة للخلود ) على الشموليّة ، أنّ تلك المقاربة كانت تعتبر أنّ الله تعالى لا يمكنه أن يترك البشر بعد ختم النبوّة دون رعاية ، وإلا يلزم من ذلك نقض غرضه مثلًا ، فمقتضى لطف الله تعالى أن يغطّي لهم كلّ حياتهم ما دام قد قرّر ترك إرسال الرسل بعد النبيّ محمّد ، فطبيعة الاستدلال هناك تنطلق من تكييف العلاقة بين الحاجة الإنسانيّة واللطف والحكمة الإلهيّين بعد تقرير عدم إرسال الأنبياء لاحقاً ، بينما طريقة المقاربة هنا تنبعث من أنّ محاولة تخليد شريعة شاملة هي محاولة مستحيلة عمليّاً ؛ الأمر الذي ينفي فكرة اللطف والحكمة هنا ؛ لأنّ هذا اللطف غير قابل للتحقّق ؛ ومن ثمّ فالمولى لكي يكون لطيفاً بعباده يلزمه بعد الخاتميّة إمّا أن يعيد إرسال الرسل ، وهو تراجع عن الخاتميّة ، أو يحيل

--> ( 1 ) لمزيد اطّلاع على النظريّات التي طُرحت في قضيّة الخاتميّة ، من مثل محمّد إقبال اللاهوري وعلي شريعتي ومرتضى مطهّري ومحمد تقي مصباح اليزدي وعبد الكريم سروش وغيرهم ، انظر : محمد حسن قدردان قراملكي ، آيين خاتم : 359 - 426 .